حسن بنعبدالله / تونس
ــ كيف نكتبُ السّهل الممتنع ..
عندما نطرحُ مسألة الكتابة الأدبية ، نُطلقُ من أنفُسنا الأسئلة التالية :
ـ لمنْ نكتُبُ ؟
ـ ماذا نكتبُ ؟
ـ كيفَ نكتُبُ ؟
هذه الأسئلة هي التي أعتمدُها شخصيا في كلّ كتاباتي ـ بتنوُّعها ـ لعلّني أعي بعقلي وقلبي ما أقول وأكتبُ .. ولعلّني " أُصيبُ الهدفَ .. وأُحقِّقَ المرام ..
ولأنني قارنتُ بين " السّهل الممتنع " ــ وهوَ مصطلحٌ قديمٌ .. و"الصّعب الممتنع " ــ وهو مصطلح حديث ..
ــ فالسّهل الممتنع هو ذلك الأسلوب الذي يتميز بسهولة وسلاسة المفردات مع وضوحها .. وقضية سهولة ووضوح المفردات لا تعني فقدان الشّاعرية لأن الشاعرية شيء .. وونوعية المفردات التي يحفظها الشاعر في عقله شيء آخر فالشاعرالمتميّز هو صاحب التراكيب البيّنة وذات التأثير وصاحبة الرؤى والأحاسيس ..
وهذا الأسلوب ناجح جدا .. ومحبب جدا للجمهور لأن مفرداته سلسة و سهلة فهو يتطرق ويبدع في كلّ المضامين المطروحة وبلا استثناء .. في الحبّ وفي النضال وفي السياسة وفي الغزل والمدح والهجاء وبالتالي فهو شموليّ وبامتياز ..
مثل هذه المواضيع لا تتحمل مفردات خشنة أو قديمة او بعيده من الوضوح ....
وقد مارسه الشعراء القدامى وبلّغوا به رسالاتهم الوجودية والإنسانية وحتّى الفلسفية .. ومن هؤلاء " أبو الطّيب المتنبّي في " شهيرته " وهو يمدح " سيف الدولة ــ
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي ... وَأَسمَعَت كَلِمــاتي مَن بِهِ صَمَمُ
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها ... وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ
وَجــاهِلٍ مَدَّهُ في جَهلِهِ ضَحِكي ... حَتّى أَتَتهُ يــــــــــدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُ
إِذا نَظَرتَ نُيوبَ اللَيثِ بــــارِزَةً ... فَــــــــلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ مُبتَسِمُ
امَن يَعِــــــــزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم ... وِجدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَـــدَمُ
ما كانَ أَخلَقَنا مِنكُم بِتَكـــــــرُمَةٍ ... لَو أَنَّ أَمرَكُمُ مِن أَمــــــرِنا أَمَمُ
إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قــــالَ حاسِدُنا ... فَما لِجُرحٍ إِذا أَرضـــــــاكُمُ أَلَمُ
فالقصيدة رغم أنها أشهر ما كتب المتنبّي فهي تُمسكُ بزمام الواصل بينها وبين الخطاب والمُخاطب وتربط بين اللغة والبلاغة والتشييد الصّحيح للقصد كيف يكون ومن أين ينطلق وإلى أيّ مدى يتمدّد .. وما يحقّق من وراء الكلمات والإيقاع وعلى منواله يتراكم هذا السّهل الممتنع على لسان الشعراء والأدباء عموما ...
ويتميّز شعر ـ السّهل الممتنع ــ بحسن السّبك، وحلاوة الجرس، وسهولة المعنى، واختصار الألفاظ .. يقولُ بشار:
ــ يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةٌ ــ والأذن تعشق قبل العين أحيانا ــ
وسهولة الشّعر وعذوبته تجعله يسير على كل لسان، ويصير كالحكم والأمثال ويحفظه الناس ويحبونه، لأن الطبيعة البشرية تحب البساطة المتقنة ، وتعشق الجمال الطبيعي بلا تكلّف ولا مكياج ، تخرجُ من القلب وتذهبُ إلى القلب تُعزّزها البساطة ، وبدون سطحية ولا ابتذال ...
يقول البُحتُريّ في هذا السياق :
أُلامُ على هواكِ وليس عدلاً ... إذا أحببْتُ مثلكِ أنْ أُلامَـــا
أَعيــدي فيّ نظرةَ مُستَثيبٍ ... توخّى الأجْرَ أو كرِه الأثامَا
تَريْ كبِداً محـــــرّقةً وعينا ... مـــــــؤرّقة وقلباً مستهامَا
تناءت دارُ عَلْوة بعـد قُرْبٍ ... فهل ركْــــبٌ يبلِّغُها السّلامَا
ـ والسّهلُ الممتنع هو السَّهل الذي لا يمكن تقليده أو مضاهاته إلاّ من وراء رويَّة وتدبُّر.. وترتكزُ عليه بالأساس ـ القصّة والرواية ـ باعتماد المهارة في السّرد الذي يعتمد على رسم الصّور أكثر ما يعتمد على الوصف... وتتحقّق قمّة الإبداع حينما يشعر القارئ بالأثر وحينما يتخيل القرّاء أن كتابتها كانت مبسطة وليس فيها أي تعقيد لغوي أو بنيوي وإنّما الواقعية في مناخ سوسيولوجي أي أنها تقدم لنا ظاهرة اجتماعية أو أحداثا اجتماعية ترتبط بظواهر أقدم منها أو هي سببا لها ..
ومن الملاحظ والتأكيد : إن موهبة الكاتب في فنّ القصّ، والسلاسة الحكائية في أسلوبه، هي المنطلق الأساس في كتابة القصة وفي توهّجها الفنّي والحياتي حتى قبل أن يوجّه هذا الكاتب اهتمامًا جدّيًا بالقراءة حول أصول كتابة القصة وعناصرها وطرائقها، ففي تاريخ الأدب أن القواعد والأصول والمذاهب والأنواع إنما يستخلصها النقّاد - بدءًا - من النتاج الإبداعي نفسه..
ـ ولعل ما يُكتب من دراسات ومقالات حول نظرية القصة، هو في أساسه، تبيان لاحق لمسألة : كيف كتب المبدعون القصة، وليس كيف ينبغي أن تُكتب القصة!
طبعًا، كل التجارب السابقة، والكتابات النقدية، في هذا الفن، تشكّل معالم مساعدة في طريق الإتقان والتجويد.. ولكن الموهبة ، والرؤية ، والمخزون الحياتي والطاقة الإبداعية، هي البدء والأساس ...
طبعًا، كل التجارب السابقة، والكتابات النقدية، في هذا الفن، تشكّل معالم مساعدة في طريق الإتقان والتجويد.. ولكن الموهبة ، والرؤية ، والمخزون الحياتي والطاقة الإبداعية، هي البدء والأساس ...
ويُخبرنا تاريخ الأدب : عن الموهوب المبدع الروائي الكبير " حنّا مينه " كيف بدأ من نصّ قصير لينتهي إلى أبعد أبعاد الكتابات الروائية ذات الأنفاس الهادئة والأنفاس العاصفة ـ اعتمادا على السهل في ملامح استقرائية شاسعة ومقنعة ..
وأعود إلى الشّعر ـ هذا الملاذ الذي أصبح في زمننا يستقطبُ كلّ المواهب وغير المواهب فاتّسعت آفاقه وتراكمت كلماته .. هذا الملاذ الذي أصبح يبسط من واسع إلى أوسع منه ـ فاختلطت التّجارب والمفاهيم .. والتبست الرؤى النقدية حتّى أصبحت متشابكة ـ فالبعض يرى أنها ظاهرة صحيّة والبعض الآخر يرى أنه الابتذال والسخرية من القراءات ومن القرّاء ـ الشيء الذي أدّى إلى عزوف النّقاد والتزامهم بكتاباتهم ـ في حدود الرواية ــ
ومن الشعراء الذين انتهجوا " السّهل الممتنع ـ نجد الشاعر الكبير محمود درويش
العصافير تموت في الجليل –
نلتقي بعد قليل بعد عامٍ بعد عامين و جيلْ..
و رَمَتْ في آلة التصوير عشرين حديقهْ .. وعصافيرَ الجليل.
ومضتْ تبحث، خلف البحر، عن معنى جديد للحقيقة.
- وطني حبل غسيل لمناديل الدم المسفوك في كل دقيقهْ
وتمددتُ على الشاطئ رملاً.. و نخيلْ.
هِيَ لا تعرف يا ريتا !
وهبناكِ أنا و الموتُ سِرَّ الفرح الذابل في باب الجماركْ
وتجدَّدنا، أنا و الموت، وفي شبّاك دارك.
وأنا والموت وجهان لماذا تهربين الآن من وجهي لماذا تهربين؟
ــ ويكون التأكيد منه بقصيدته الشّهيرة ذات المعاني والأبعاد ـ متأصّلة في البساطة والوضوح ـ ومنتصرة بتوهّجها الإنساني فوق المتاهات وفوق الغموض وأعلى مما يطلقون عليه اليوم ـ " الصعب الممتنع " ... وأنا شخصيا لا أميلُ إلى تعقيداته وتراكماته اللغوية ـ المغلقة ـ ومع درويش ...
ومع " عابرون في كلام عابر...
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صورٍ
كي تعرفوا أنَّكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماءْ...
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنَّـا دمنا
منكم الفولاذ والنار-
ومنَّـا لحمنا
منكم دبابة أخرى-
ومنا حجرُ
منكم قنبلة الغاز-
ومنا المطرُ
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقصٍ.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداءْ..
و علينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء!
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
كالغبار المُرّ مرّوا أينما شئتم ولكنْ
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعملُ
و لنا قمح نربِّيه و نسقيه ندى أجسادنا
و لنا ما ليس يرضيكم هنا :
حجر...
أو حَجَلُ
فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحفْ
وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم، على صحن خزف.
فلنا ما ليس يرضيكم:
لنا المستقبلُ
ولنا في أرضنا ما نعمل
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم :
وطن ينزف .. و شعباً ينزف
وطناً يصلح للنسيان أو للذاكرة
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم
ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم
ولكن لا تموتو بيننا
فلنا في أرضِنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا... والآخرة
فاخرجوا من أرضنا من برنا ..
من بحرنا مِن قمحنا ..
مِن ملحنا ..
مِن جرحنا من كل شيء ..
واخرجوا من مفردات الذاكرة

ليست هناك تعليقات :