ادريس الجرماطي
ترتيب عكسي...!
غبش الوجه وتجاعيده، يؤكدهما عكازه الرسمي المندد بأن العمر يسير عكس الحركة والحياة الخضراء، إنه الجسد اليابس كالسنابل، ونهاية فصل الحصاد، وجوع النبضات المحتاجة إلى دم الطفولة كما كانت تلامس الركض واللعب مع الصغار، والمعتاد أن يصير المرء وفق الطبيعة البشرية، إنه إحساس بفقدان العديد من المعالم لتحديد وجهة الصلابة، هو اعتياد على تجميع الخلاصات، وتمديدها في موضوع كلي، عساه ينتهي بخاتمة تليق بما قدمه من جهد طبيعي للإنسانية، بشرية لا ترحم، ولن ترحم ضعفه، وهنه، وهشاشة مواقفه، وهو يتنافر فكرا مع شباب حيه، الذي تعلم من خلاله فصول أبدية عمر كانت بدايتها أخلاق واحترام، وفرحة عند سماع بندقية العيد تدوي لصراح المعتقلين نفسيا، بأن لا سلطة تحكم بعد ذلك، كأن الدهر لن يتغير، فصول وأشواط، علامات وتوجيهات، أسست لبناء تلك الذات التي رفضت لعبة التعب وتنكيل المفاهيم.
... لكن ما المانع بأن يعيد وائل الفصول عكسا، عبثية وفوضى لشطحاته التي أحس أنه ترك فيها لعبه وبعض نجاحاته التي لم تتحقق لحظتها العمرية...
كيف لا وهو الذي يضيع بين أفكاره...! يحق له أن يعيد المراسيم بلغة الإعادة، ربما لتصحيح مفهوم كان خطأ تفكير مسبق، أو مغلوطة سجلها التاريخ ضده، الحياة ألغام جاهزة لتفجير الذين تجاوزهم المعنى، جهزها لهم خبراء الظلام، ممن اهتدوا إلى تخليق اللعب الماكرة المقلدة لأبناء الشيطان، الأعمار تتهاطل فوق الرؤوس ساقطة حججا وتحجيرا على الوجوه، وفي الوجه عدة لوحات جغرافية، تلال وجبال، هضاب وسحاب، الأوجه تختلف حسب المعاناة، وحسب الضربات المتلقاة وكل بمقاسات نفسه، والشاهد الوحيد، حقيقة ترسم النهاية، وهي الموت، وعلاقتها بالإنسان كالخصم الموجب الذي نستعد بأن نفديه بأعز ما نملك، وهو ذلك المحرك الرسمي المتواجد بقوة الوجود في دواخلنا الرهيفة، وأي اعتبار مهما كان على مقاس، فلن يستطيع تخليق المحبة بين الخصم والمضاد له، باعتبار أن الانسان الكائن الذي يدعي القوة، وفي الحين يستسلم للموت ويستعد لها مكانا وزمانا...
وائل رجل تسعيني الأعوام، توسد جدران الحيرة بين قرار تبعثر الواقع وتركيب الأضداد، سمو التفكير في عوالم أغرب من الاغتراب...
ما المانع أن ينسل من فرضيات الواقع نحو ركوب صهوة جواد الاحترافية في الوصول...؟!
تسعين عاما تكفي لدراسة أكبر مجلد مستفيض من التجارب اليومية، وكافية أيضا لتتركه يفكر عكسا، وبأضداد الجمالية وتعويد المستحيل بالحيلة والكبرياء، لا شيء يدفع للسعادة غير جلال الخيال...!.
وائل يتغير بشكل غريب، تسترسل من جسده قسمات كلما تناقص الزمن عبر سطوره وإلا تكابرت حيلة تجديد الزمن تدريجيا صوب البداية، كلما مرت الأعوام يجد نفسه بعد عكسي للحياة، تائه، خائف من هجمات البشر حوله، وطبيعة الخلق نسيان واستغراب، يمر عبر الشوارع التي سبق وأن مر منها وكأنه يمشي بالوراء، يرد الأوراق الأولى لتصبح متتالية التجاذب، بين الماضي الذي كاد أن ينسى وولادته التي تريده أن يعيد الخطوات تصغيرا وبحجم الإعادة...
كيف لشجرة زيتون قديمة الأمد أن تصير نقلة في ريعان الولادة، تشم التربة الأخرى بنفس التجديد...؟!
كيف للأمهات أن يرجعن الصبية للبطون، بعدما بلغوا سن الكبرياء، والتعالي على شرفات الخدعة، وهتك عرض الحياء...؟!
كيف للماء أن يرجع إلى المنبع بعدما شربت منه الإبل وأزيل عطش البيداء، كيف يمكن أن يكون كل هذا...؟!
في حياة وائل آن له أوان استرجاع الذاكرة بالقصد فعلا وتعبيرا، سيعبر هذا "ال وائل" عن لا شيء يستحيل في الحياة غير ما نبنيه من قداسة التزييف، ومن نسج سلال الويلات ضدا على بشرية تفكر في التنكيل والتقتيل بدل سقي جنان الورد بماء الحياة وبمداد الأفكار، وإبعاد البندقية...
وائل الذي كان بوجه الشبح، يتراوح بين عمر زهرة تنتظر الغروب، لتتفتح على وضع خلق الهدوء في الأرواح، تعود أن ينجح نحو السلاليم العليا، لكنه اليوم يتابع دراسته كطالب في المستويات الأولى، ثم انتقالا إلى الأسفل سابرا فيافي الغلام، يمسح وجه التراب، بلعبه القديمة الجديدة، في الغد الملغوم بالانعكاس، ينام في حجر أمه، ينتظر منها إخراج تديها كي ترضعه جرعة مقلوبة التدافع، ثم رضيعا في أولى أيامه ينتظر الحبو على بساط أرض التجويع، ملاك هو يرسم ملامح البداية استعدادا لمواجهة الحياة، إنه بطن أمه التي تتألم، تتأمل مرة أخرى على حساب تفكير فوضوي الشكل، عله في الغد يصبح علقة تفارق رحم الأم انتقالا الى شهوة أب تنغرز رصاصة التوهج لديه، ويكون بذلك وائل من رسم العدم في نفسه، لم يعد الاسم موجودا في الأصل، لأن البداية اختباء عفوي، لا يمكن تصور ملامحه مهما اشتد الخيال، يموت وائل بين تعاسة الانتقاد، وتفضيل الإعادة، ينمو حبل البكاء فيه لأن الحياة شكل مبهم التعريف، سيعيش تفاهة الحياة كما هي بتدافعها المطلق، حيث الموت هو التقاء البداية بالنهاية، الطفل كما العجوز، كلاهما محطم بفعل الركاكة السائدة في عالم البشر، كلاهما سيموت منتظرا الاعادة، جميعهم يتمنى أن يبني حديقة تسمى العمر القصير أم الطويل، فالسفينة كون مصغر يحمل جثثا بين الميتة والحية، وفي نهاية المطاف، ما الحياة إلا فاصل ينتظر من خلاله الخلق إعادة للأحداث بشكل مرتب، بشكل سليم، ولكن من سيعيدها فينا إن كنا نصنع العبث...؟!
وتلك السفينة لزمها أن تصل...!

ليست هناك تعليقات :