رابط صفحتنا الرسيمية

» » ادريس الجرماطي - نبض الجنون " العنزوق"

 

ادريس الجرماطي

نبض الجنون " العنزوق"
اختزلَ المسافة بينه وبين العديد من الماضي، بحث في صور قد انجلت في الذاكرة وهي تمر في شاشة الأحداث القديمة لديه، يمر السكير، المتمرد، العفوي، المشرد، والمجرد من كل الأسئلة والهوية، وبراهين وجود القيامة من عدم الإثبات، سجل يقول قصته غير المسؤولة عنه، فارق الوجود بحجة فقدان ما يقول عن ذاكرة منجلية منسابة مع الريح...
رجل أسود البشرة، أبيض القلب كنصاعة حليب، رغم أن شرابه عصير غير الحليب، لا فوهة راسخة في عمقه عبر قنينة نبيد، تلك القنينة الخضراء بلون مدادها الأحمر، يكتب العديد من الحكايات، يُطلع فيها البطن حكايته للرأس، وسراويل بخيوط كثيرة، تشد عضد عاره لكي يتماسك مع نفسه لما يغيب، يغيب كما تغيب الشمس عن الليل، وكما تغيب الأوراق عن الأشجار وقت الخريف، محظ الصدفة تراه دارسا لنفسية المغتال فيه من أفكاره، وعزيز قوم أصابه الدل منهم، واعترى به المقام، فأصبح سيد الغياب في حضرة الحضور ، هرب به الأسطول ـ كما قيل ـ ليلة العيد تُفكر الخرفان في المبيت بساحة السفر، سفره هو، لا يعني بالضرورة سفر الخرفان، الخرفان البشرية بكل المقاسات والدلالات....
"العنزوق" لم يكن من أسرة المرموقين، بسيط، حدود كل تفكير، هاجر الكون بما فيه من لعب، غير راض بكينونة مفبركة لواقع شبه مدنس في نظرة، غادر كي يعرف معنى المزبلة ليدمجها على طبق التاريخ كلما غضب على أحدهم، ركب صهوة النسيان برغبة كلية في النسيان، لا ماء يغير لونه من قبيح إلى أجمل، ولا اتساخ يعيره لفظة "المتسخ"، مسح الزجاج بثوبه المهترئ، يسقي بواطنه بروائح الغبار، كي يحلم بليلة موت السفهاء، الكفار، يلعنهم الرهبان، بينما "العنزوق" لم يرتكب جريمة القدف والسب والشتم على أحد ، بل ظل يحب الجميع، من قلب كبير كما سكنه الجسد القديم، المدينة وطن مهترئ، والوطن في خياله الطافح مجرد مزرعة يابسة، يسرق منها ثوته، وظله هربا من حر الشمس، ويستغل جدرانها تدفئة عند كل قر ، شغله الشاغل في الأحداث، زيارة وزراء المزاج " بائعي الخمر"، من حين لآخر، كي رحل به المزاج إلى الخروج من سلة الانغلاق عنه وعن كل متشردي البلدة، مستبعدا دوائر الحدود والإحداثيات، يصنف الأوطان بدقة الوصف على انها تليق أن ترسم لها، خرائط تسجن الإنسان داخل الانسان، يسوق "العنزوق" هذا، قطار الغرق في دوام العطلة الرسمية في تحليل الوقائع، التي تندد برجعية الخلق، داخل الادعاء بالكفاءة الخَلقية، على مركب من البحر يتخذ البحر موجا بلا بحر، بلدته بعيدة عن البحر، لكنه يرسم أفق المغادرة الدائمة الساكنة قلبه وجوارحه، قبل وبعد عودته من نفسه إليها، بلطف الأنبياء، هم وحدهم من يعرف معنى النبوة والخروج عن المعتاد، من فتات رعب الأزقة المظلمة، يشتكي قراءه القادمين بسلاسة ما قد يجري، وما قد يُكتب من طلاسم، في وجود مربك، لا حضرة فيه إلا عن البحث في الجريمة، كموضوع أصبح فيه الكمال بمرتبة فارس المهمة، التشرد موضوع كامل، بمكنسة تطرح زبد وأزبال المعتاد إلى وطن آخر يُسمح فيه كل الرضوخ إلى الخروج من ذوات الذاتـ إلى طمس فلدة الذات، في ذات لا تفكر في الخير أبدا....
"العنزوق" رجل من الستين، وجبين من خريطة الأعوام، بفلسفة ممزوجة بينه وبين ما يحلو له من قنينة خمر، وقليل من أفكار أريسطو، وكما يحلو له أن يقول:
"تشيكوف" لم يكن معلما ، بل كان جنديا للأفكار...
سُمع أن "العنزوق" يسكن بعيدا عن القرية، وقرر زيارتها من حين لآخر كي يشم رائحة خطوه القديم...

عن المدون International Literary Union Magazin مجلة إتحاد الأدباء الدولي

مدون عربي اهتم بكل ماهوة جديد في عالم التصميم وخاصة منصة بلوجر
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد