الثلاثاء، 19 أبريل 2016

قصة قصيرة (الانهيار)/ اياد خضير


 ايــاد خضير/العراق


قصة قصيرة (الانهيار)


وقفَ أمام المرآةِ يتأمّل تجاعيد وجهه النحيل ، بنظّارته السميكة ، أربعون عاماً من التعب والإرهاق ، تركتْ وراءها هذا الكمَّ من التجاعيد ، تحسّس فكيه البارزين بأصابعه ، فتح فمه ،شاهد أسنانه الصفراء التي فقد بعضاً منها والآخر تلِف من جراء تدخينه المستمر للسكائر المصنوعة من التبغ الرديء ، ذي الرائحة الكريهة .
قــــال يخاطب نفسه : لا وقتَ للصداقة ، للحبّ ، ولا للعواطف أيّها الخفقان الصدئ ، فقد بدأ الخريفُ يأكل قِواكَ ويهشّمُ مازيّنته لك ابتسامتك الرعديدة ، ما عطّرته نسائمُ أصحابك المغرورين بما لـــديهم .. فلتتجلّد كما يتجلّد الماء ، فلم تعدْ ترَ ما تجنيه إلّا
باستعمال المجرفة ، وما مجرفتك سوى أظافر سميكة، فلتغرزها إن أردتَ في رقاب مقابليك الذين تغار منهم ؟ اغرزها في رقبتك إن أردت ؟!
الظلام اندسَّ في داخله ، كانتْ نفسه تسكنها الأشباح والهوس ، فيشعر بالضياع ، بالقلق ، غول الصمت القاهر ، تبّاً للصمت الذي ما مات غوله وما نقيتْ مجاريه قالها بحرقة وبصوت مبحوح كأنّه يكلّم أحداً ، لا يعرف كيف وجد نفسه مبكّراً عند باب دائرته ، كان يحدّث نفسه بصوت مرتفع ، لا يعي ما يقول لابدَّ أن أتحدّثَ إليها عند مجيئها ، أن أصارحها ، أعترفُ بأنّي أحبّها ،سمعه أحد الموظفين قائلاً له من هي؟!
قــال : بما إنّنا أصبحنا أصدقاء سأسرّك سرّاً صغيراً .. تعال .. آه لكنّ مأساتي إنّي لا أستطيع أن ألفظ اسمها بهذه السهولة .. المهم لابدّ أنْ أتحدّثُ ، أن أنتزع هذه الكلمات الجاثمة على صدري والتي تكاد تقتلني ، لعلّيَ أجد صديقاً يساعدني في محنتي ، يجب أن ننظّفَ أدمغتنا من هكذا أفكار بعد كلّ فترة ، فالأفكار مثل غبار الشوارع يجب أن تنظف ملابسك وحذائك عندما تعود للبيت بعد كلّ جولة في شوارعنا الهرمة ؟ !
أجابه قائلاً: تأكّدتُ الآن إنّك إنسان مريض ، متعب الفكر والجسد ، أصبحت عجوزاً خرفاً لا خير فيه كيف تجرؤ وأنت في هذه السنّ ولديك من البنين والبنات أن تتحدّث عن فتاة بريئة بعمر ابنتك ؟! مديدة القامة ، وبشرة ناصعة البياض ،وجسد طري ، استحِ على نفسك ! أنظر إلى أصابع يدك المضمورة وأذنيك الطويلتين ووجهك الكالح ، انظر إلى قدميك التي تخطُّ الأرض كأنها مصابة بالشلل فتحيل مشيتك إلى مطبّات تعلو وتهبط .. أيّها الغبي !
قــال: لماذا كشفتُ له سرّي ؟
لماذا تركتُ أسراري بلا أقفال ؟
ربّما يكون أحد أقاربها؟ ..ربّما لاأدري ؟!
في البدء كان ينظر إليها بفضول ، تحوّلت نظراته إلى شهوة عارمة ، انتابته موجة عارمة من الحزن عندما نظر إليها ، صوتها أغنية حزن دافئ .. تملّكته رغبة أن يمسّد هذا الوجه الملائكي الذي يفيض حناناً ورقة .
لماذا أخاف منها ؟! قالها وصرير أسنانه المصطكّة كما في الحروب .
ذهب إلى إحدى الصيدليات القريبة يطلب أقراصاً للشجاعة أو للوقاحة ، نُعِتَ بالمجنون.
قــــال: اليوم ، يوم الحسم ، سوف أكلّمها ، أعترف لها ، لابدَّ أن أنهي هذه المعاناة ، هذا القلق ، سار وراءها ، سمعتْ وقعاً غريباً خلفها أشبه ما يكون بضرب عصاً على الأرض ..التفتتْ بحركة لا إرادية ، نظرتْ إليه باستغراب .
سألته: ماذا تريد ؟!
ــــ كلُّ خير ، على سنة الله ورسوله !
ـــ احترم نفسك ، ولا تسخر من الناس ، وأدارتْ له ظهرها ، أسرعتْ في مشيتها ، كان يتبعها قائلاً: أنا رجل احتاج إلى الرعاية وأنت تحتاجين إلى الحماية ، سيارتي وراتبي وراتبك يكفينا العيش وزيادة.
طفح الكيل ، فارتْ أعماقها حتّى أحسّتْ بغصة أسرعتْ في مشيتها ، تسكنها بقايا خوف ورهبة .
قـــالتْ بارتباك : أنتَ العفونة التي أمقتها ، لا أطيقها .. رائحتك نتنه ورائحة السكائر تفوح من فمك كأنّها غائط حيوان ، إيّاك أن تلاحقني أو تتكلّم معي بهذا الموضوع مرة أخرى .
أسرعتْ في مشيتها إلى مكان عملها تتمتم بكلمات غير معروفة ألبته ، وجلستْ تتوسّط الموظفات .
من بعيد شاهدهما أحد الموظفين ، أحسّ بأنّ شيئاً غير طبيعي يحدث بينهما ، جاءه متسائلاً .
قــــال له : إنّنا نحبُّ بعضنا البعض واتفقنا على الزواج ، ممّا أثار استغرابه ، ظلّ على هذا الحال كلّما توبّخه يقول إنّها تحبّني واتفقنا على الزواج ، كان يحلم بأن تكون زوجته ، أن يغوص في هذا الجسد الطري ، يمسّد شعرها بأصابعه المعقوفة المتعبة ، يتمرّغ بعطرها .
ذات يوم أصاب أحد الموظفين فضول زائد ، فصارحها ، قائلاً بأنّه سمع أنّ حميد يقول بأنّكم اتفقتم على الزواج هل هذا صحيح ؟!
شعرتْ بشيء أكبر من الأسى أو الحاجة إلى البكاء .
قــالت :إنّه يكذب ؟ لا تصدقه .. وإنّني مخطوبة من شاب مهندس واتفقنا على الزواج قريباً .
تسرّبتْ الأيّام سريعاً ، لتأتِ ساعة الخلاص عندما سمع بأنّها سوف تتزوج من شاب وسيم ، انتعل الفشل بدل الحذاء ، ومازال في قاع الدهشة وهو ينظر النظرة الأخيرة إلى خطيبها ، أحسّ بالدوار يشده إلى الأرض ، فتبوّل واقفاً ، سالتْ قطرات منها على بنطاله.
قـــال : أيعقل هذا ؟ !
كيف يجرؤ أن يتقدم إليها ويسلبها مني ؟
لماذا لم أغرق في هذا الجسد الطري ؟
إنّه واهم ومخطئ ،عليَّ أن أقدّم بطاقات الزواج إلى أصحابي ، إلى الناس ،وبأسرع وقت.
ظلّ يكلّم نفسه ، نامي في حضني يا حبيبتي .. امكثي هنا ولا تبرحي مكانك ، لن يأخذك مني أحد.
ارتدى ملابسه التي اشتراها لهذا اليوم ووضع العطر ، تجوّل في الأماكن ، يقدّم بطاقات الزواج ، والابتسامة لا تفارقه ، تارةً يرمي البطاقات على الأرض وتارةً يسلمها إلى أشخاص ، يمشي غير عابئ بالسيارات التي تمرّ بالقرب منه وتكادُ تدهسه فاقد الوعي مسلوب الإرادة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق