رابط صفحتنا الرسيمية

» » حسن بنعبد الله - من هيَ القصيدة




حسن بنعبد الله


من هيَ القصيدة ..

اخضعت القصيدة العربية لتحولات عبر التاريخ استجابة لتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتبعا لانفتاح العرب على شعوب أخرى وحضارات جديدة وأيضا ظهور التكنولوجيا وتغير عادات التواصل وأشكال التلقي وأنماط الكتابة والنشر والقراءة ، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة والتي جعلت الإبداع الشعري يتأثر بهذه المستجدات الهائلة والتغيرات الكبيرة والتي لم تشمل ظروف الحياة والتواصل فحسب وإنما كان أيضا لها تأثير على العقل العربي وعلى الخيال الإبداعي وتحديدا على الصور الشعرية وعلى الإيقاع وغير ذلك من معايير تقييم القصيدة العربية.. ويضيف إن ما عزز من قوة القصيدة عناصر أخرى منها الصوت والصورة والتشكيل والألوان والحركة وغيرها من وسائل عرض النص الشعري الذي أخذ أشكالاً جديدة متأثرة بالتكنولوجيا، وأيضا بإبداعات شعوب أخرى غير عربية وذلك بفعل الترجمة وتلاقح النصوص والتقاء القراءات وتعدد المتلقين وصولاً إلى نص شعري عالمي لا يتعلق بالعرب وحدهم وإنما يملك مقومات الكونية ليخاطب كل الأجناس الأخرى .. وأصبح هذا وكأنه نوع من العولمة للشعر الإنساني عموما وليس العربي فحسب .. حتّى ظهر وكأنّ هذه التحولات الكبيرة قد جعلت أنصار الشعرية العربية القديمة يدقون ناقوس الخطر ويعلنون موت القصيدة العربية وهذا الحكم يبدو لي متشائما أو قاصراً ويخالف قانون التغير الكوني في ضرورة التطور وحتمية التغيير..
ـ أمّا أنا من خلال تجربتي الطويلة مع الشّعر ومع القصيدة " من تجربة الشعر المنجمي في أواخر الستّينات ـ بزحمه وارهاصاته ورؤاه الإنسانية إلى الآن ـ فإنني أصبحتُ أعرفُ من هي القصيدة ـ ألا فهي تلك المنطلقة كالفراشة من فكرة ـ واعية ومن شعور إنسانيّ عميق نحو الطبيعة والوجود .. وهي تلك الحقيقة المنسجمة مع الذات ومع الباطن وما يختزنه من أوضاع وأوجاع وما تفوح به الروح من روائح وما يُصيبُ الكبد من ألام ومن كدمات وما يعتصر في القلب حتّى البكاء .. وما يختنق حتّى الصّمت .. وما ينتشر حتّى الأهازيج والزغاريد والصراخ ...
والقصيدة هي تلك ـ الصور الزاخرة بالتعابير وهي تلك الزخارف المنطلقة من الوعي ومن الأحاسيس حتّى اعتبارها في ألوان قوس قزح وفي دوائر المزج والتواشج ـ وهي تلك الغيمة بالبرق والرعد والمياه عندما تأتيها الرغبة بالانهمار فتنهمر وتشتمّها الأرض بقحطها وخصبها فتهيج بفضلها شهية الخصب والاحتواء .. تحتوي كيف تحتوي معلّقة بين الأراجيح ومؤكدة توزيع الأنفاس .. والقصيدة هي تلك الشّاعرة من قلب الشّاعر ومن روحه ووجدانه ومن جمره ومن غضبه ومن أفراحه وأتراحه .. وهي تلك السّاكنة في البال على امتداد الكتب والأحجيات والأغاني والأهازيج .. وهي تلك التسابيح والآيات والدعوات وهي تلك الصلاة الموعودة مع الله ومع القراءات ومع الكتابات ومع المداد العظيم الذي جاء وصفه في قوله تعالى ـ في سورة الكهف " قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا " الآية : (109) ...
وقوله تعالى في سورة لقمان : " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " الآية : (27) ...
ـ والقصيدة التي أعرفها هي تلك التي تحتاج إلى النقد والنقّاد وإلى الشعراء أنفسهم حتّى يبحثوا عن طريقة جديدة لإيصال شعرهم وإيجاد طرق توصيل قصائدهم الى المتلقي في زماننا .. وهناك طرق شتى يمكن للشعراء أن يسلكوها للوصول الى الجمهور ؟.. وهم يتسابقون للقراءة على المنابر حتى لو كانت القصيدة تحتاج الى همس كلماتها أو أبياتها أو عباراتها الشعرية في أذن المتلقي لكي تفهم وتدرك معانيها الفكرية والجمالية.. مؤكد أنّ الشعر اذا كان سابقا يعرف بأنه الكلام الموزون فهناك بعض من الدارسين يعرفه بأنه الكلام المنظوم ، وبعضهم يعرفه على انه الكلام المهموس.. ومن المتاح اليوم مواقع التواصل الاجتماعي وهي إحدى الوسائل المتاحة للشعراء لتوصيل شعرهم مهما كانت قيمة هذا الشعر أو قائله لأنه في النهاية لا يبقى من هذا الزبد سوى الشعر الذي يمكن أن نقول عنه إنه شعر بحق وأنّ القصيدة هي التي تفرض هويتها ــ
والقصيدة التي أعرفها هي تلك التي تعبر من الروح إلى الأرواح ومن الرّيح إلى التلال والجبال وهي تلك التي تتحدّى وتٌعارك وتُصارع وهي التي تواجه وتُجابه وهي تلك التي ترى بكلّ أشكال المرائي وترتقي بكل اشكال المراقي إلى المراتب التي تكتسبُ فيها هيبتها وخلودها ـ كالتي فرضت حضورها في اذهان الشعوب في العالم ـ وأهمها قصائد " إرادةُ الحياة لشاعرنا التونسي " أبو القاسم الشّابي ـ
إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ ــ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي ــ وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ ــ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ ــ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ ــ وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ ــ وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر
إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ ــ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر
وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ ــ وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر
وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ ــ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر
فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ ــ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر
وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ ــ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر
وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ : " أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟"
"أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ ــ وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ ــ وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر
هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ ــ وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر
فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ ــ وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر
وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم ــ لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ ــ مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"
وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ ــ مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر
سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ ــ وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر
سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ ــ لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟
فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ ــ وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر
وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ ــ مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر
يَجِيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر
فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر
وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر
وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر
وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ ــ وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر
وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ ــ تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر
وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ ــ ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر
وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر
مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ ــ وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر
لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ ــ وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر
وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِــ وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر
وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ ــ حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر
فصدّعت الأرض من فوقـها ــ وأبصرت الكون عذب الصور
وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه ـــ وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر
وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه ــ تعيد الشباب الذي قد غبـر
وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ ــ وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر
وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي ــ شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر
ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ ــ يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر
إليك الفضاء ، إليك الضيـاء ىــ إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر
إليك الجمال الذي لا يبيـد ــ إليك الوجود الرحيب النضر
فميدي كما شئتِ فوق الحقول ــ بِحلو الثمار وغـض الزهـر
وناجي النسيم وناجي الغيـوم ــ وناجي النجوم وناجي القمـر
وناجـي الحيـاة وأشواقـها ــ وفتنـة هذا الوجـود الأغـر
وشف الدجى عن جمال عميقٍ ــ يشب الخيـال ويذكي الفكر
ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ ــ يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر
وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء ــ وَضَاعَ البَخُورُ ، بَخُورُ الزَّهَر
وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ ــ بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر
وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ ــ في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ ــ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ ــ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ

عن المدون International Literary Union Magazin مجلة إتحاد الأدباء الدولي

مدون عربي اهتم بكل ماهوة جديد في عالم التصميم وخاصة منصة بلوجر
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد