رابط صفحتنا الرسيمية

» » ادريس الجرماطي- الميل عن القصد



ادريس الجرماطي

الميل عن القصد...

في إحدى الروايات السنيمائية العالمية، تسللت إحدى شخصيات النص، وفي غفلة من الكاتب الذي حرص على عدم الانزياح طوال فقرات الحكي، انسلت الشخوص خارج الأحداث لتبحث لها عن ظلال الأشجار الوارفة ، كونها أحست بنار الاكتواء مما جعلها لا تطيق الحرارة و ظلم الكاتب للعديد منها...
المشهد كوني ينساب فيه ضمير الأنا، المسيطر على جل الغائبين الثائرين على عجرفة الكاتب الذي تغافل عن المكان، والذي جعله في النص أضيق من تصورات شخصيات لها الركب الأساسي في رواية تحمل من الدلالات الكونية الانسانية، أكثر قوة وتركيبا، فعوض إرباك القارئ جملة وتفصيلا في التحليل ، فكر الراوي نيابة عن جميع الشخصيات أن يقيم محفلا رسميا ليكون فيه الاتفاق على ترك النص، ورغبة في عدم ازعاج المتلقي، وجعل صاحبه يكتب أحداثه المشبعة بمداد التحدى والتي ستنعكس ايجابا عليه، تعمدت الشخوص خلق ثورة هجومية، لإخلاء العمل الروائي من أي بطل ولا بطولة، وكأنها تكسر الظلم والطغيان في كتابات من تسول لهم أنفسهم خلق السواد، وتنبيض الإعاقة وسط الشخوص، وفرض قوتها عليه كونها تقوم بجميع الأدوار، وتعلو منبر المنصات والخشبات وعلى زجاجات الفضاء، وتعلمه أن لعبة الإتقان سلوك إنساني في التعامل مع من هم أقرب إليك في التواصل وإحياء الحياة بمنح الاعتبار لكل من يقوم بدور الرائد في كل مكان ...
يستفيق الكاتب، الجو بارد، والليلة من ليالي شهر سبتمبر، بشارع من شوارع "تازناخت"، كل نوافذ الواجهات مغلقة، في شرفة بيته يطل، يتوجس تحسين عمله، ويده اليسرى تشد ذقنه بإحكام، وكلما استنشق عبر خياله الجامح فكرة ما، إلا وأضافها في مسودة ثانوية لكي يدونها ضمن روايته الضخمة فيما بعد، تأتي الأفكار دفعة واحدة، وأحيانا أخرى يغيب ضوء الإلهام ليعود إلى سريره، عل جمجمته تتخذ شكل الفيض في الكلمات، والتي تغيب من حين لآخر، على الجدران أرقام تحدد الزمن عبر ساعة حائطية قديمة، يوقف الكاتب مشروع الكتابة، ينزع نظارته المكبرة لسطوره السوداء، رغبة في الانغماس في نوم عميق، يبعد عنه ألم السهر لقرابة ليلة كاملة، إنها الخامسة صباحا، ويقينا منه بأنه معد ليستفيق باكرا، رغم أن الشخوص منهكة في نسج خياله ومحاولة التعود عليها بدقة فائقة، ناسيا أن يهيئ لها وقتا زمنيا للتفرغ لقتل لهفة الجوع ونكران الجميل، وغير مبال بأنها ستثور حالما لم توفق في الانسجام بينها وبين مكامن قوة الكاتب من أفكاره المختلطة بحياته، والتي احتلت أنحاء عقله وتفكيره...
دكتاتورية النص أرغمت الشخصية البعيدة عن أنا الكاتب، لتتجاوز فكرة الغوص في ثنايا المشهد، وفي غير الوجه المألوف تخرج منددة ثائرة، ترفض متوالية الأحداث الساقطة التي تمنح "الكومبارس" دور الفاشل المتعصب، الجاهل لكل آليات لعبة القيادة، كلفافة من تبغ الزمن الفاشل، المفتول بوسخ حبال الهزيمة، وكالوليد الهارب من ثدي أمه، تداعت أعمدة البناء لاكتشاف خلل النصب واختلاس المرايا التي تسقط من جدران ذوات الشخوص، وعلى كبريائها الملغوم، بعد أن تفنن الكاتب في تقزيم الأدوار الرئيسية مما حدى الى التفكير في هروب جماعي، واحباط مشروع حبكة النص، ونحن نقل المركب العاج بالهاربين المهوسين بتنصيب من ينوب عنهم في الردهات المؤدية الى قاعة المحكمة، تبين أننا نقود العمل إلى وجهة غير معلومة في فكر وطموح الكاتب...
يقينا ستأخذنا المغامرة إلى نص رابع، وجدنا أنفسنا في خريطة عمل الكاتب، تلك التي لم تكن سوى تلة، وشجرة، وطائر...
ما جدوى نص يتجاوز مبدعه، وما جدوى شخوص يصعدون من رحم معاناتهم دون أمل العودة ، وبشروط إغناء روابط الابداع بعيدا عن الفردانية...؟!
الأديب وحيدا يجابه، وحيدا يعاند، وحيدا يرافع...
غاب الأصدقاء، فإما أن تكون أو لا تكون...
من حقل أمواج الحبر تألق وارتدى وسام الوفاء، من الكتابة إلى مجابهة الموج احتفالا بالعدم...
وما جدوى كاتب يعانق الموج بدل المنابر، ويسطر خيوط نهايته عوض البداية، ما جدوى أن يتباهى شخص بزلة قضاء، دون استنباط فكرة من كتابة شيء جميل، وهل يحق للموت أن يرسم نهاية الرواية...؟!

عن المدون International Literary Union Magazin مجلة إتحاد الأدباء الدولي

مدون عربي اهتم بكل ماهوة جديد في عالم التصميم وخاصة منصة بلوجر
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد