ياسين الزبيدي
رحلة /قصة قصيرة
------------------------------
لم أشعر بالرّعب وأنا أقطع معها ذلك الدّرب.
وهل يعقل أن أشعر بذلك وأنا أضع يدي بيدها لتقودني في ذلك الدّرب الذي كثيرا ماكنت أسلكه في أيام الأعياد.
الدّرب طويل والمكان موحش ،لكنّي كلّما سمعت حفيف ثوبها الذي تحركه الريح أطمأنت.
لم تكلّمني طوال الطريق فقط يدها الحانية كانت تشعرني بالوجود.
ضوء القمر يضيء (الّرخامات) المستطيلة ليحكي تاريخ أسماء حفرت عليها.
أخذت بيدي بعد أن نظرت إلى القمر وابتسمت ودخلت بي دهليزا يفضي لنفق طويل بدت نهايته واسعة تومض بوهج غريب، في وسط المكان ثمة مائدة أحيطت بالشموع فيما راحت العطور الغريبة ،النادرة تملأ طاقتي أنفي، عطور لم أشم مثلها من قبل.
جلست مذهولا، أخرجني صوتها الذي بدا (ملائكيا) من دهشتي، قالت تحدثني : أترى تلك الشجرة؟
على الجانب الأيمن أبصرت شجرة عظيمة تتدلى منها أعذاق كعناقيد ذهب، شجرة لفرط جمالها كادت عيناي تخرجان من محجيرهما
أستطردت: لقد كلّفتني الكثير، أشتريتها بألف تسبيحة حمد بأصابعي وأرتني أصابعها التي راحت تضيء بضياء غريب
أردت أن ألمسها فأحسست بأن شيئا لا مرئيا يحول دوني ودونها.
أبتسمت وقالت:بيني وبينك عالم كبير ولكي تتمكن من مرافقتي عليك أن تتطهر..
في الزاوية التي على يميني كانت ثمة ساقية عظيمة ماؤها أشبه بالحلم، ماء رقراق كنت أرى صورتي فيه بوضوح مفتقد.
في المكان فراش غريب بألوان تخلب الروح، حمائم شتى ،حدائق طافحة بالجمال والندرة، حدائق عذبة أسكرني شذى عطرها وروعة ألوانها.
رايتها تبتسم وهي تتابعني بنظراتها وحدثتني: هنا كل شيء له ثمن ،الأثمان هنا باهضة كل شيء تشتهيه لابد أن تدفع ((فاتورته)) مسبقا.
تركتني في ذهول وأرهفت سمعها لشيء ما، هتفت: جاءنا جار جديد.أتسمع؟ مسكين لا ندري كيف ستؤول الأمور معه، ليعينه الإله وبدات أرهف سمعي لأسمع ما أذهلني لوم وعتاب وزمجرات وأصوات استغاثة ونبرات تظهر الأسف والندم واللوعة على كثرة التفريط ثم هدأت الأصوات وطغى صوتها المطمئن ليملأ المكان.
قلت لها:
هل لنا أن نّعود؟
ردّت: أما أنا فهيهات، محال أن أستبدل الجّمال بالقبح والسّكينة بالخوف.ثم أستطردت :
ألم يعجبك المكان؟
قلت لها :أبدا ،لكنني لا أستطيع أن أستوعب كل هذه الحقائق، لايمكنني أن أرى المكان غير مقبرة.
بدا على وجهها الأمتعاض والأستغراب ردت: مقبرة ؟!
هذا بالنسبة لكم إنها منازلنا وليست مقابر كما تصورها لكم أبصاركم الكليلة.عليك أن تعي ذلك.
لم اعر ف بم أجيبها فالمكان حقا مسّور بالدهشة والغرابة ،مفعم بالرهبة مدهون بالجمال ولكن لم أكن لاستطيع ان أكبح آدميتي التي صورت لي المكان بصورة أخرى..
أشارت إلى سرير من عشب أخضر وهي تتمتم: أسترح ريثما أعد لك شيئا
تأكله .
قطفت بعض ثمار متوهجة من شجرة عظيمة كثيفة الأغصان، ثمار لم أر بحجمها أبدا ثم غرفت بآنية من فضة من نهر رائع سائلا يضوع مسكا.
لحظات مرت كانت هي نديمة ليلي، كنت أحيا بقربها لحظات هي الحياة بكل جمالها ومعانيها. وفجاة صاح ديك عظيم بألوان شتى كان يقف على كتفها.
رأيتها تهب مذعورة وهي تصرخ :عليك أن تغادر المكان قبل أن تشرق الشمس.
وضعت باطني كفيها بين كتفي ودفعتني برفق وهي تردد: مازال لديك الكثير كي تنجزه ، أذهب محمّلا بدعائي بأن تنهي كل مالديك وان تتطهر كي نلتقي..

ليست هناك تعليقات :