ادريس الجرماطي
الضوء الأخير....
الموت يأتي، وقبل أن يأتي بقليل، يخبرك أحدهم، أن دقات قلبك التي تدق داخل صدرك تتحجر، وأنت تصرخ صرختك الأولى على إيقاعات البحث عن أي شيء تشده بلحمة فمك، يخبرك بأن الغرفة لن تكون لك، وسوف يحملونك إلى مكان غريب، وأنت كلك ارتعاشة وخوف وشرائط ماضيك تمر عبرك، بما يليق وما لا يليق، فأنت فعلا من صنع ماضيك بما فيك من غبن وعشوائية، من سلطة ذاتية ، وقهر لما لم يعجبك، فكلنا يعيش تلك اللعبة الضوئية، وكلنا يهتف بلغة عمقه لتكون الكلمة الأخيرة، كلمة سر، أو لوعجة حنين ساكنة عبر الأزل القديم فيك، فعلى شاكلة النطق الأخير، رسم كل منا فقدانه الأخير ربما ليكون عنوان كتاب جديد لحياة جديدة ، هنالك وليس هنا...!
"امنحوني نظاراتي" قالها ربما لأنه لم يعد يرى قنديله المتوهج بالأفكار، قالها فيرناندو بيسوا، دون أن يعلم أن العالم الآخر بنظرات مختلفة ، تحمل لون الجحود، لون ديكتاتورية الذات المرعبة المتسلطة على الإنسان، وهو يحطم، يهشم، يركل طبقات نوعه من البشر، بتركيبة ما تعلق به من غيالم تعلمه سرعة النضج والكمال فيه، توفق بيسوا عند العديد من المنجزات، رسم الحقيقة الغامضة بأسلوب كبير كي يمنح الوجود تذكرة وصول جديد، ابتكر وسدد الرمح، حتى النهاية، مزج بين العفوية والعقلية ليهيج به السمو عقلا، ويحدد العفوية في الايقاع، إيقاع تعلم من خلاله البشر كل ابجديات بيسوا في ميدانه كإنسان أتي أتى بنظرياته وأسلوب حياة جديد...
لم يكن هدفه الحكي من أجل الحكاية ذاتها، قالها وهو ينظر إليهم، ربما كان يتمنى لو فهموا قصده، على أنه لم يكن عبثا، ولا هراء، بل هي رسالة إلى أن الحياة لا تنتهي، ونهايتها نصف ما أنت عليه، والبقية سر يحمله بين طيات حياة مليئة بالغرابة في مفهومها الأسطوري، حكاية لابد لها من تدوين على خرائط تعطي النفس والتصدي لجراحات الكائنات، بما تحمل من عمق وأحلام لا تنتهي ولا تكتمل إلا في العوالم الأخرى، قالها هكذا: "حكيت نصف ما عشته" وهو الغزير المتمكن من اللغة والحكمة زمن المعنى، يشاطر كل عقول الروائيين الذي أفضوا بما فيهم من أفكار على صفحات الأوراق، ليعبروا بين سطورهم، عن لواعج خاصة بهم، لتشفي جروح العاشقين والتافهين، والناجحين والناجين من أسطورة الحياة...إنه ماركو بولو الرجل الانسان..
عندما يغيب فينا الضوء، تغيب كل الأضواء رغم اشتعالها، ورغم اكتظاظ المصابيح، وبهرجة الطرقات بالأعمدة والأفرشة البراقة، هكذا كان يصيح، يريدها مرفوعة، وكأنها مؤدية إلى بيت آخر في عمقه، لا يلمسه سواه فيه، يقول المفكر، أو. هينري: "ارفعوا المصابيح لا أريد أن أذهب إلى البيت في العتمة" يقف الليل بسواده فيه ليرى ضوء باهتا في روحه، يمتزج فيه بين الذكاء واللعبة الخارجة من ذاته، يغضب من نزول الضوء عنه ، وبغية التمكن من رؤية الموضوع في قنديله الأخير، عبر بيته الدفين، والعمق الأخير سيمفونية داخلية ترعى الغرف والبيوت فينا، وكأنها البحث عنوة ذاتية للخروج من أزمة التفكير بالضياع، ضياع العديد من الأفكار غير المرتبة فينا والمنتهية على الحال، دون رفع ضررها النفسي، ويبقى السؤال، في ماهية المصباح، وهل المصباح كالمصباح، روحي معنوية ، وذاتية كونية...
الدم الذي تولد عنه دمي، يقول المفكر مارسيل بروست آخر كلمة له في الوجود :"أمي" ويبقى فقدان الأم، منزلا بلا أدراج، والرجل يعي معناه في الوجود، وحتى ما بعد الوجود، كأنه يتمنى أن يجد من يطهي له الرغيف هنالك ، يجتر لوحاته متيقنا أن الأم عصارة كل ما تبقى له، وهي التي قد تقيه من فلتات اللسان هنالك، والوحيدة التي ستستقبله بالورد الحريري، بين جماهير الأموات، وتعلن صرخة وجود الرجل البكر على أنه، الذي لم تفارق العين فيه روحها، ولم يكن الموت حاجزا، إلا لأنهم أسموه خوف الموت عبثا دون تريث في إعطاء مفاهيم خاطئة في الوجود البشري...
ما يبكي عينا ويسقم عظما، تلك اللحظة الجميلة في الحياة، عشناها مع كل الموجودات، بما في ذلك من طقوس طفولية ، وحتى اللعب مع الكبار في قداسة الاحتكار، نحس مليا بتلك الهنيهات من النصر في الجحود، كما يوم الولادة، نختبئ كي لا نعيد ظلمة البطن، ونمر ساهين ناسين أن العالم قد يكون بطنا مفعما بالقلق والعنصرية البشرية، دون أن نعي ذلك ، لأننا لم ندق كافة العوالم حتى يتسنى لنا الفكر كما نشتهي، يقول الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين"احكوا للجميع بأنني عشت حياة رائعة" نعبيرا داخليا على احساسه العميق، بأنه مر من أجمل الأبواب، وأكثرها خداعا وهمجية، وضوضاء، متعبرا أن الزلزلة الانسانية تجاه الأرض، تدخل في حسابات جمالية بها يسمو الكون، ويتعالى على العوالم التي ننتظرها، في أسلوب، يشهد لنا بالماضي ككائنات تباغث وضعها في مفترق الطرقات بين الموجب والسالب ، فهنالك الركاكة، والجودة الجميلة، فهو يدعو حتما لرؤية الجمال، بدل التصور القمعي الواقع والمتوقع..
غريب أن نتصور يوما أننا سنصبح مجرد دخان ليس إلا، بعد كل هذه المراوغات في تحقيق الذات والبحث عن البراهين والبينات، وتغليط المفاهيم الانسانية من أجل السطو، وخلق المكيدة، يبقى السؤال جليا، أي موقع للإنسان بعد مرور كل هاته المجريات ، والأحداث التي خلقها من خلال حياة تكمن في بضعة أسطر حياتية، ربما المفكر لو أراد أن يرى عبر أنفاسه الأخيرة، قائلا: "غدا سأصبح دخانا" وعند تناول الدخان كموضوع معنوي نلمس من خلال التفكير على أنه سواد ينتهي بمجرد مروره، وفي معناه النفسي، هو بقايا احتراق تستدعي التأمل في المحروق، كبضاعة وازنة، وكأوراق لماض كُتب عنه الكثير من السطور، ويبقى عالقا في لبلاب الذاكرة رغم ما نراه من دخان مخلف من جرائه، وعثا عليه أن يرسم أفق الدخان وما مدى تأثيره في الكون كقضية يبحث لها الانسان عن حلول...
يستطيع النور أن ينفذ إلى أعماقنا متى أراد، وفي غياب النور تنطفئ الحقيقة حتما في دائرة الانسان، وليس الانتقال من دوائر المكان المغبر أحيانا ـ كل حسب وضعه الرسمي ـ سببا قد يحول دون التفكير في عقدة الضوء، أو النور، والمبدع أو الفيلسوف دوما يبحث عن تلابيب التغيير أينما وجد ، حتى ولو وضعناه في جنة الأنوار، يقول روزفلت في آخر ما قاله عن الحياة، "أطفئوا النور" ضانا أنه بذلك سيمزج بين أضوائه النفسية بأضوائه الخارجية، وتشير البوصلة عنده بأن هناك عوالم لا تحتاج إلى الأنوار المصطنعة فينا ككيان مخالف للطبيعة وللسلوك الانساني الحقيقي، لو فرضنا جدلا أنها منطفئة الحضور فهو حتما يعرف أنه لن يكون حاضرا بها، سواء أكانت مشتعلة أم منطفئة كما يريد، ولكن يمكن أن نقول أنه في حالة تغييب الآخر كذات مستمرة، وتحتاج إلى فضائها المعتاد، وهذا يعبر تلقائيا بأن الأموات أشد أنانية عن الآخرين، فلم يكن يريد سوى أن يشاركه العالم تلك الظلمة في أعماقه نتيجة غياب روحي، أو عقلي نفسي..
يقول المفكر والفيلسوف مارك توين،" الى اللقاء، سنلتقي" كيف تبادر لهذا المفكر أنه تمت عوالم أخرى يلتقي بها نفس الانسان بنفس الشعور، وهو يوجه الخطاب إلى من حوله من ذويه، مدركا أن صيحته لن تكون خاطئة، وأمله في اللقاء حتما سيتجلى من خلال ما استخلصه من تجاربه العلمية والواقعية، وحقا سيوجد هنالك فضاء غير هذا، سيلتقي به البشر على هيأتهم الأولى، بكل حسية وثقة في النفس، وهو أقرب إلى البعد الديني في تفكيره وخلجات أنفاسه وكينونته كروح دارسة لمفاهيم الوجود متمكنا من المعلومة الفلسفية، ومزجها بالمنطق، في سوريالية لا يمكن وصفها إلا إذا
حضر جلال المنطق والرقي بعيدا عن عوالمنا قريبا من عوالم أخرى تأكد فعلية وجودها، بلقاء حتمي وراء أسوار كوننا هذا، كون يبشر لعدم البقاء، لبقاء العدم...ثم الرحيل إلى عالم المثل وتقديس المعنى...
مفكر آخر على شاكلة المجانين، يرى حلمه القادم في ضوء مخالف وهو الشمس، وفيها يرى رحبه وسعته النفسية كونها حارقة ومازحة الغياب ليلا، ومشاكسة في لعبتها مع الضباب، يقول،
"رودولفو فالينتينو" أريد أن ترحب بي الشمس" بهذا المعنى يسيطر على الضوء الكامل باعتباره فلسفة عينية، لا تستطيع القوى الإنسانية لمسها، وكأن الحياة تنتهي عنده كأخر شخص كوني، دون التفكير في أن العلم، يعطي الصلاحية للإنسان أن يبحث في ظل كل مرئي، وحتى إن كانت هاته الشمس نفسها، فقد زار القمر الذي كان أبعد من الخيال فقط في الزمن القريب، ولم يدرك بأن الشمس منتهية بمجرد ظواهر طبيعية محتملة كما ينتهي كل شيء ، وكما نهايته هو تلك...
"ستستمر الكآبة إلى الأبد" ، هكذا يرى فان كوخ، نهاية الوجود، لو تعمقنا في مقولته هاته، سنجد بعدا وجوديا وارتباطا بالأرض، يجعل فان كوخ، يرى من زاوية واحدة للحدث كموت، نافيا لتلك العوالم الجميلة التي حكيت في الأديان والمعتقدات، وفي الرسائل بالحجج الدامغة على وجود عالم أسمى من عالمنا هذا، ولم ير بأن الكآبة الحقيقية هي الوجود في أرض مليئة بالعنصرية والقتل والتجويع، وعن أي كآبة يتحدث عنها ما لم ير الواقع البعدي، في أبعد دراساته في اللعبة الفلسفية كميدان رحب للأفكار، كان عليه أن يصنع منه إمبراطورا للحكاية والتباهي بعالم جديد، ينتفي فيه ربما الواقع المركب كهذا...

ليست هناك تعليقات :