رابط صفحتنا الرسيمية

» » فيصل سليم التلاوي- سؤال بريء/ القصة


 فيصل سليم التلاوي


سؤال بريء


قبل أن يتزوج محمود العسالي زميلته في العمل بسنوات طويلة، وهو بعين واحدة. لقد فقد عينه اليسرى في سنوات فتوته الأولى، إثر تعرضه لضربة حجر صُوِّب نحو عينه في إحدى معاركه اليومية المعتادة. ومع من يا ترى؟ مع شقيقه الأصغر، الذي سدد نحوه تلك الرمية الطائشة التي أودت بعينه، وحملته تلك العاهة، وذلك اللقب الكريه إلى نفسه، والذي يتهامس به المهذبون من زملائه، أما قليلو الذوق منهم فإنهم يسمعونه إياه دونما استحياء:

- محمود الأعور.

لكن ما كان يخفف على محمود العسالي، ويفرج عنه بعضا من همه، أنه لم يسمع أحدا من أهل بيته ينطق بهذا الوصف في حضرته، و يكاد يجزم أن أحدا منهم لا يحدث به نفسه أبدا.

فقد انقضت سنوات طوال منذ زواجه، أنجب خلالها بنينا وبناتا، أحسن تنشئتهم وتعليمهم بمشاركة أساسية من أمهم، التي انقطعت عن عملها بعد إنجابها مولودها الثاني، وتفرغت كليا لشؤون المنزل وتربية الأبناء، حتى كبروا وصاروا رجالا. وقد تزوج معظمهم وصار لمحمود حفدة وحفيدات، وحتى هؤلاء على صغر سنهم ما نبس أحد منهم يوما ببنت شفة تلمح إلى عين جده، ولا أطال أحدهم النظر إلى تلك الحفرة الغائرة في موضع عينه اليسرى، فقد اعتادوا على رؤيته على تلك الهيئة منذ نعومة أظافرهم، ولا سأل أحدهم يوما لماذا لا ينزع جدهم نظارته الشمسية إلا نادرا حتى في المنزل.

فقد كان له من المهابة والتوقير بينهم، إلى جانب الألفة والمودة في نفوس الجميع ما يردعهم عن التفكير في السؤال عن أمر عينه، وما يكفيه حرج الرد على سؤال كهذا.

انقضى العمر إلا أقله، ومحمود العسالي على هذه الهيئة من الرضا والقناعة والانسجام مع أهل بيته وجيرانه وزملائه في العمل، لا يكدر صفو عيشه مكدر، ولا ينغص عليه سكينته منغص.

يتقن عمله ويقوم بواجباته المنزلية، ورعاية أهل بيته على أكمل وجه. تنتظم أمور أسرته كلها، حتى ليحسدهم الحاسدون على وفاقهم الدائم، ونجاحهم البادي للعيان في تربية أبنائهم ونجاحهم، وتفوقهم في ميادين الدراسة والعمل.

عندما باغت التقاعد (أبو السعيد) – كما اعتادت أن تناديه زوجته وسائر معارفه- على حين غرة، لم يكن قد استعد لهذا اليوم الاستعداد الذي يليق به، ولا فكر في كيفية ملء وقت فراغه الطويل، والبحث عن تسليات أو رياضات يزجي بها ساعات نهاره يوما بعد يوم، خاصة أنه غير مضطر للبحث عن عمل جديد بعد هذه السن. وما احتاج لطول وقت للتفكير في ذلك، فقد هدته فطنته وطيبة قلبه للطريق الأقرب إلى الهناء وراحة البال وحسن الخاتمة، وهو التقرب أكثر من رفيقة دربه (أم السعيد)، فهي كنزه الوحيد الباقي بعد أن انفض من حوله معظم الأولاد و البنات أو كادوا. لماذا لا يقتربان أكثر من بعضهما، فيكونان أكثر عونا على مواجهة الأيام الصعبة القادمة، ووحشة ليل الوحدة الطويل الذي ينتظرهما؟ بعد أن (طيَّرَ العُش) وأوى كل الأبناء والبنات إلى أحضان أزواجهم، أما هما فقد عادا وحيدين مثلما بدءا.

وصار محمود العسالي يحدث نفسه:

- لماذا لا نعود عاشقين مولهين كسابق عهدنا؟ فلا شيء ينقصنا، إن لدينا من الصحة والوفرة المادية ما يعيننا على مستقبل الأيام، وبنا من رمق الحياة ثمالة، يمكننا أن نحسن تعاطيها، لتكون أيامنا القادمة أجمل وأسعد من سابقاتها، وقد هدأ البيت وارتحنا من ضجيج العيال، وكثرة القيل والقال.

وأخذ أبو السعيد زمام المبادرة، فصار يتودد لرفيقة دربه بأكثر مما عهدته منه في سالف أيامه، يود لو استطاع أن يعوض الأيام التي شغلته فيها شواغل الحياة عن الاهتمام اللائق بها، غير مدرك أن اللحظة التي تمضي لا يمكن استردادها أبدا، وأنك لا يمكنك أن تضع قدميك في مياه النهر ذاتها مرتين.

والذي حير محمود العسالي وجعله يبدو شارد الذهن، كأنما يبحث عن شيء أضاعه ولم يفلح في العثور عليه، هو إعراض زوجته أم السعيد عن كل اهتماماته، ومحاولات تودده وتقربه إليها، فكلما اقترب منها خطوة أحس أنها تبتعد عنه خطوتين، وعبثا يكرر محاولاته مرات ومرات، فلا يجد تجاوبا أو قبولا، حتى ساءت ظنونه وضاق خلقه، ولم يعد يستطيع التأقلم مع وضعه الجديد.

وما بات يغيظه ويزيد حيرته هذا الاندفاع والتعلق، الذي لا حدود له من قبل أم السعيد بأبنائها وأحفادها، فكأنها تراهم لأول مرة كلما حضروا، وهم لا يكاد أحدهم يبرح حضن أمه أو جدته حتى يعاود إطلالته من جديد.

ويتساءل أبو السعيد:

- فيم كل هذا الاشتياق والحفاوة، وأحدهم لا يدير ظهره إلا ليطل بوجهه من جديد؟ أكانوا غائبين عنكِ في سفر طويل؟

لكنها لا تلقي بالا لتعليقاته، وتواصل ترحيبها وتوددها وإغداق كرمها المفرط على هذا الحشد، الذي يزداد عدده كل شهر وليس كل عام.

يَقلب الصغار الشقة عاليها سافلها، فلا تتذمر أوتمتعض، بل ينزل كل ذلك على قلبها بردا وسلاما، وتمضي ساعات في ترتيب الشقة من جديد، وإعادة كل شيء إلى مكانه دون كلل أوملل.

أما هو فتضيق به الدار، فينزوي في غرفته ويغلق عليه بابه، إن تركوه يهنأ بعزلته، ولم يقتحموا عليه وحدته، فيرغموه على مغادرة المنزل إلى حين تهدأ العاصفة وتستتب الأمور. إنه يجد نفسه وحيدا بينما تندمج أم السعيد في عالم أبنائها وبناتها منتشية بالجمع الكبير من أحفادها الملتف حولها، وكلما زادت حلقة الملتفين اتساعا زادها ذلك بهجة وحبورا، بينما يتوارى طيف أبو السعيد من أمام عينيها شيئا فشيئا، وهو لايزال محسوبا على قيد الحياة ولم يبرحها بعد.

لما ضاق أبو السعيد ذرعا بهذه الحال، ولم يعد يطيق عليها صبرا، فكر أن يفضي بسره، ويبوح بشكواه لأقرب أصدقائه، ذاك الذي يشاركه رياضة المشي الصباحي، التي هي المجهود البدني الوحيد الذي يبذله في نهاره.

وبعد طول تردد خشية أن يستهين به صاحبه، ولاعتقاده أنه قد يكون الوحيد الذي يعاني من العزلة والوحدة في بيته بين سائر زملائه، وأن الآخرين ربما كانوا ينعمون بتفاهم وانسجام مع من حولهم، وأن البوح بذلك قد يهز مكانته، ويجعله موضع غمز ولمز وسخرية من مجموعة العواجيز، الذين يشاركونه رياضة وتسلية الصباح.

لكنه لما لم يطق صبرا على بلواه، فعلها أخيرا وباح بسره لأقربهم إليه، عله يجد لديه تفسيرا لهذه الحال التي يعاني منها، ويا للمفاجأة التي قابله بها صاحبه، وقد التقط أول خيط من الحديث، إذ أجابه قائلا:

- (لا تشكي لي، أبكي لك). أنا أسوأ منك حالا، وفلان مثلنا وفلان حاله كحالنا، وكل منهم لا يبوح بهذا الحديث على ملأ من الناس، بل يسر به لأقرب قريب، فحالنا واحد، وكلنا ذلك الرجل.

- يا رجل بت أجد نفسي غريبا في بيتي، ينفض الجميع من حولي، ويتحصنون في غرفهم، لا يبرحونها لدى حضوري، فإذا انصرفت وحضرت أمهم تراهم يتحلقون حولها كأن الدنيا لا تسعهم من الفرحة.

- وما الغريب في ذلك؟ أرأيت صنفا من أصناف الكائنات التي لا تحصى في الطبيعة يفعل غير ذلك؟ أرأيت فراخا من الطير تفغر أفواهها النهمة لغير أمها، وكتاكيتا تنق حول دجاجة غير أمها أو تتبع ديكا؟ أرأيت جِراء أو قططا صغيرة تسير خلف كائن غير أمها؟ أرأيت حَمَلا أو عجلا أو ظبيا يتقافز في البرية خلف كائن غير أمه؟ هل يعرف واحد من الكائنات التي عددناها، والتي لم نعدها من هو أبوه؟ وهل تعلق به يوما ونعم بصحبته حينا من الدهر؟

أتود أن تكون أنت وصنفك بدعًا من الكائنات؟ وسائرًا على غير نواميس الحياة؟ وأردف قائلا:

- أنت محظوظ يا رجل، فقد حظيت بما لم يحظ به ذكَر غيرك. يكفيك أنهم يعرفونك وينتسبون إليك، وهذه ميزة لم تتح لسواك من المخلوقات.

- لكنني أفنيت عمري في خدمتهم، ورعايتهم حتى وصلوا ما وصلوا إليه، وغيري من ذكور الكائنات لم يفعل الذي فعلت.

- أنت فعلت ذلك مختارا ولم يكرهك عليه أحد. وكانوا سينشؤون ويكبرون لو لم تفعل ذلك.

- هب أنني فعلته مختارا ألا يكون دَينًا لي في أعناقهم مستحقا سداده؟

- هم سيسددونه فعلا لكن ليس بأثر رجعي، سيسددونه لأبنائهم عندما يصنعون لهم مثل صنيعك، وفي نهاية الطريق الوعر، وعندما يرهقهم مواصلة صعود العقبة، عندها سيُحرِنون ويتوقفون عن المسير، مثلما تُحرن أنت اليوم.

وصمت أبو السعيد إذ لم يجد ما يواصل به الحوار. وحاول بعدها أن يُمرِّن نفسه على الصبر، وأن يرغمها على أن تطيق ما لم تكن تطيقه. ومضت أيامه بعد ذلك بطيئة رتيبة لا لون لها ولا طعم، وتَحَمَّل بعد ذلك أذىً كثيرا.

لكن الذي لم يطق عليه صبرا، هو ذلك السؤال الذي باغته ذات صباح، والذي لم يتوقع أن يسمعه يوما، ولو سهوا أو سذاجة من أصغر حفدته، باغته على حين غرة من أقرب الناس إليه، حين حدقت أم السعيد رفيقة دربه الطويل في وجهه ذات صباح، ووجهت له تلك الطعنة الغادرة بسؤالها الماكر:

- كأنك أعور يا ابن عمي؟!

زفر أبو السعيد زفرة حرّى، ولاذ بصمت عميق، ولم يستحضر ساعتها عبارة يوليوس قيصر، ليقول لها:

- حتى أنتَ يا بروتس؟! أوحتى أنتِ يا أم السعيد؟!

ولو استحضرها فما الذي كانت ستفهمه منها، وما أدراها من هو يوليوس قيصر ومن هو بروتس؟ وما هي فِعلته التي عاتبه عليها؟

ظل نهاره ونهارات بعده ملازما صمته، فهو لا يريد أن يكون كمن صمت دهرا ثم نطق كفرا، ليقينه أنه إن نطق فسينطق بعظيم من الأمور، تتداعى له أركان بيته الذي وهب له عمره كله، فبناه لبنة لبنة. أيقن أن ساعة النهاية قد أزفت، وأنه لا يمكنه أن يعاود النطق ثانية في هذا المكان، بعد ما تجرعه من مهانة ذاك السؤال الساخر. خاصة أنها قد تجاهلت الأمر بعدها، وكأنه لم يبدر منها ما يكدر الصفو، ولا جربت الاعتذار عما فعلت، ولا سألته عن سبب صمته الدائم.

ظل محمود العسالي بعدها أمدا طويلا غارقا في صمته وحيرته، واقفا على مفترق الشك واليقين، مقلبا في خاطره وجهتي النظر، محاولا أن يجد لسؤال أم السعيد تبريرا، فإن من طبعه أن لا يضع كلمة في موضع سوء، وفي مقدوره أن يجد لها في الخير موضعا، ولذلك ظل يديم السؤال بينه وبين نفسه :

- هل كان سؤالها بريئا أم خبيثا؟

ومازال على وِقفته تلك وتساؤله حتى اليوم.

عن المدون International Literary Union Magazin مجلة إتحاد الأدباء الدولي

مدون عربي اهتم بكل ماهوة جديد في عالم التصميم وخاصة منصة بلوجر
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد